عن مجلة نزوى/العدد الحادي والخمسون / يوليو 2007

تموز 13th, 2007 كتبها ربيعة الناصر نشر في , أسفار

أسفــــــــار

ربيعــــة الناصـــــر


 

أشارت بيدها بعد أن فتحت باب الشقة ضاحكة: منـزلك لأسبوعين فقط!  من مدٍخل الشٍقةٍ.. تمكنت من التعرف على البيت كله!!!  على اليسار غرفة النوم.. ومن اليمين تبين لها المطبخ.. موقد غاز بضعة أكواب..  ملاعق على الجدار..

أوجعتها ذراعاها ! هنا صالة الجلوس، هذا كل البيت!

تذكرت حديث المغتربين حول الطقس، استشعرت الدبق لا شك أن الحمام مرفق بغرفة النوم .

راودتها أُمنية ماكرة! ، تمّنت لو لم يكن هناك من ينتظر مجيئها!  البيت..؟ لم تحلم بأكثر من هذه المساحة، على أن تكون لها وحدها، تغلقها على نفسها متى تريد وتشرعها متى شاءت ايضا .  اتسعت  الردهة.. مشجب تراكمت عليه معاطف شتوية يتضح أنها لسيدة شابة.. تعربش عليها معطف صغير المقاس! عاودها الألم في الذراعين.. وضعت أمتعتها على الأرض  لتمعن في التعرف على مضيفيها .  استرخت ذراعاها وابتسمت ، تلهفها للانفراد والاختلاء بروحها جعلها تسهوعن التخفف من حقائبها.  

 - أتركك الآن لترتبي ملابسك وتغتسلي سأعود إليك صباحا لتناول القهوة. سمعت صوت صديقتها، أعقبه صوت صفق الباب .  اجتازت الصالة… على الجدار المواجه لباب المطبخ ، مكتبة برفوف خشبية وقوائم معدنية، مكتظة بالكتب، إنها روايات من الصنف المحبب لدى الصبايا اليافعات.. باللغة الإنجليزية، امام الكتب المصطفة ، توزعت مقتنيات عديدة، تشي بالأماكن التي زارتها المضيفة، تلك من الصين وهذه من الهند وغيرها ربما من كينيا ! مقعدان طويلان  مجللان بمفارش محاكة يدويا، يبدو أنها جلبتها من إحدى دول أوروبا الشرقية ! تلفاز وفيديو وعدة القنوات الفضائية ، أشرطة تسجيل إلى جوار المسجل، أشرطة فيديو، إسطوانات ممغنطة.. نبتة لبلاب اشتبكت بحافة الستارة ستسقيها في الصباح/ لقد نال منها العطش/يبدو ذلك من جفاف تربتها!                                    

امتدت يدها لفتح الستائر، أزالت مشبك  الشعر النسائي عنها . قبل أن  تطل من النافذة، التقت عيناها بوجه امرأة بملامح افريقية ، وكأنها  تقف منذ عصور في انتظار من يخلع المشبك . فأعادت المشبك إلى وضعه الأول!

كم تشتاق إلى خلوة تكون فيها مع نفسها ، تتوق لعزلة تحتاج فيها أن تتحاور مع حالها؟ 

إمتلأ المكان بعبق قهوة ابتاعتها مساء أمس. تحمل قهوتها أّنى ارتحلت ! أدارت التلفاز وبدأت البحث في القنوات الفضائية أبقت المؤشر على محطة جديدة قيد الافتتاح تبث أغاني عربية قديمة  لعبد الحليم حافظ  و ليلى مراد!!!

شموع  بأشكال وألوان مختلفة تناثرت على الزوايا وأسطح الأشياء، تذكرت حقائبها، ما زالت مركونة إلى جوار الباب الخارجي للشقة.  حقيبتان فقط، واحدة للملابس والثانية أودعت بها أوراقاً وأقلاماً، وكتاباً تتحدث مقالاته عن عُمان ،المكان والناس والزمان، و بعض الخرائط للخليج والجزيرة العربية. ست شمعات اشترتها من محل الأفغاني في جبل اللويبدة، لم  تكن تعرف لمن ستهديها، فتحت حقيبة الملابس؛ تناولت شمعة ووَضعتها على رف صفت عليه مجموعة تذكارات للمضيفة التي لم تعرفها، تلك السيدة النمساوية التي أفسحت لها مكانا في بيتها و خزانة ملابسها وستغادر بيتها دون أن تعرف وجهها أو وجه طفلها الصغير(سامي) المشرقي العربي الجذور والمقيم مع والده  في شقة أخرى من البناية طيلة  رحلة أمه!

على شاطئ البحر المكسور ! تم كسر أمواجه، ليتسنى إضافة مساحة من الأرض لإقامة أسواق تجارية ومطاعم ومقاه. تناولتا إفطاراً لا يختلف مذاق أصنافه عن الإفطار في(ست الشام) في دمشق أو(الترويقة) في عمّان، تصلهما أصوات الدردشات  بلغات  ولهجات و لكنات متعددة!  

عائلة من بلاد الشام وأخرى من مصر.. شابان من الخليج  العربي.. أطرف ما في المشهد، أن المستخدمات الأجنبيات يرطن بلهجة العائلة التي يعملن لديها، فيليبينية توبخ الأطفال باللهجة المصرية، وسيرلانكية تدلل وتغنج الصغير بلهجة لبنانية! كل  يحكي  لغة   ولي  نعمته!!!

أثناء  مرورهما  بمحاذاة  البازار المقام على شاطئ بحر(أبوظبي) وقريبا من (المارينا مول) حيث كانت وابنتها (الوافدة) الجديدة  على  الخليج  تغادران  المقهى .   

- ما رأيك أن تلقي نظرة على السوق هنا؟ سألتها وهي تتابع  نظراتها الشاردة  صوب المغادرين  بمشترياته من (المول) الجديد.

توقفت ابنتها عند محل لبيع (الإكسسوارات العصرية).. بدأ الشاب اللبناني  يعرض مقتنياته  بكل لطف، في الوقت الذي لمحت شابا يرتدي لباسا عرفت منها ملامح بلاد من جنوب جزيرة العرب! اتجهت إليه: اليمن؟ هذه مشغولات يمانيه أليس كذلك؟ عقود وسبحات من العقيق والفضة ومختلف أنواع الأحجار الكريمة، ياقوت وجاد  وفيروز  سرحت ، لم تعد تلبس العقود  منذ مدة .. كلما  فكرت  بلبس واحد  تصدمها صورتها في المرآة   تثير دهشتها النساء حين تتجاوز الواحدة منهن الشباب وتستمر في لبس العقود والأقراط،،، انتقت واحدا من العقود سآخذه لابنتي حتى وإن لن تلبسه!.. يكفي أنه مشغول بأيد  يمانية،  قد يأتي يوم تزور بلادا  كنا نلثغ بها أطفالا  بلاد اليمن السعيد ؛ ونحن نطوف العالم على خرائط الأطلس!

بعد أن وصلتها تأشيرة الزيارة لدولة الإمارات، اتصلت بالسفارة العمانية وطلبت القسم المسؤول عن منح التأشيرات:  أنا مسافرة الى دولة الإمارات. لست  ممن  يرون في التسوق  متعة  أرغب في زيارة مسقط ، منذ ما  يزيد عن الثلاثين عاما  وأنا أتمنى زيارة بلاد اليمن  وحين زار ابني عُمان  في عمل تطلب منه الإقامة مدة شهر هناك، جاءني مأخوذا مما شاهده من حضور للطبيعة في كل من مسقط وصلالة والجبل الأخضر، إلى أن قال  تمنيت لو رافقتني، تذكرتك كثيرا هناك .

لم  تمنح تأشيرة ولكنهم أخبروها أن بإمكانها  الحصول عليها من مكاتب السفارة في دولة الإمارات .  

غادرت مبنى السفارة العمانية في (أبوظبي) المسيجة بغراس الريحان!  انطلقت ممتلئة  بالأمنيات الدافئة بقضاء رحلة طيبة من القائمين ع

المزيد