مسقط.. هيبة وبهاء
كتبهاربيعة الناصر ، في 18 آذار 2008 الساعة: 11:25 ص
إنها الزيارة الثانية إلى سلطنة عمان….
تبدو لي مدينة مسقط كما لو أنها ما عرفت يوما الشقاء.. وبالرغم من أن زيارتي جاءت بعد سبع أشهر من مباغتة جونو لهذه المدينة الوادعة.. إلا أنها تمكنت من استعادة هيبتها وجمالها بكل رصانة وهدوء..
سيدة مدللة.. تستلقي بين أحضان الجبال الحصينة..
يدغدغ موج البحر خاصرتها ..وتستسلم هانئة لقيلولة عذبة تتنفس أريج الريحان وعبق اللبان..
توقظها مداعبة الندى للورود والزهور النضرة .. ويلثم أقدامها موج البحر محملا برغوة ثلجية..تتثاءب بخدر على بساط سندس وتلقي على قامتها بعباءة مطرزة بزهور البيتونيا..
هناك حيث تطل عليك (مطرح) مدينة عريقة بالتجارة - التجارة التي حملت التغيير بهدوء وروية- ،تتأهب لفك خزائن وصناديق التجار من سوق مطرح القديم.. بضائع من كل صنف ونوع جلبها تجار مطرح من سواحل الهند وإفريقيا في رحلة الإياب ،ولابد أن ذهابهم هناك كان محملا بمتنوع الثروات من سواحلها الغنية بالأسماك واللؤلؤ..من هنا أيضا تتمتع المرأة في مسقط بحضور بهي ورزين.. ترف من غير بذخ .. حضور واعي من دون حذلقة ..
و البيوت في مسقط حكاية وحدها..لا بيت يشبه الآخر.. إنما يجمع بينها نسق معماري يعلن عن هوية ذات خصوصية ندر أن نجدها في عواصم العالم.. ليس هناك ناطحات سحاب .. فالفضاء يملكه الجميع.. ولم تغير وجهها إرضاء للعصرنة.. لذلك يقبل عليها السياح.. لأن لها لونها ومذاقها الخاص الذي لا يشبه أحد…. الأبواب هناك مسبوغة بالجمال.. كنت كمن يتجول في معرض فن تشكيلي، كل باب لوحة.. وكل شرفة منحوتة مختلفة..
البيوت على علاقة حميمية ببعضها..الضواحي قريبة تدفئ احداها ،حتى الدوائر الرسمية لم تقصى نفسها عن تلك الروح،إذ كيف للمواطن أو الزائر والمسافر أن ينهي إجراءات معاملاته أيا كانت نوعها في مكان واحد إلا في هذه المدينة .. في مسقط جميع الدوائر الحكومية.. السفارات.. الوزارات .. حتى الجمعيات والروابط … في ضواحي متقاربة..
وتبدو المدينة في كليتها مثل سيدة عصرية.. الشوارع مرسومة بعناية.. والحدائق منسقة بذوق فنان،كل واحدة كأنها حديقة ومتحف في آن..لم تكن (الجهنمية) كما يطلق عليها العمانيون تشبه ما نعرفه عنها.. هنا لا تُرى منها إلا زهور خمرية وبيضاء وبرتقالية..
في تجربة جميلة هناك، رافقت صديقتي في زيارة إلى بيت والدتها في السيب..
في الطريق إلى السيب.. بدت حواف ثوب مسقط مطرزة بألوان زاهية.. شيلات مزركشة مفروشة على مد النظر.. تتوسط الرصيف العريض أشجار تحجب وهج شمس مسقط الحارة عن رؤوس المارة… ربما جاء تصميم الطاقية (الكمة) .. بحيث لا تلتصق بالرأس ليبقي مساحة يتنفس منها الهواء..
وعندما وصلنا،استقبلتني بجلاء عتق الروح المعمارية،وأصالة العائلة العمانية.. بيت عماني مشغول من جريد وسعف النخيل مقام في الحديقة إلى جوار الفيلا .. كما وصفه لي الصديق محمد بن سيف الرحبي في اليوم الأول لي في مسقط..
يميز البيت العماني الصيفي شقوق صغيرة في نسيج البيت تسمح بتسلل الهواء وتظلل البيت أعواد سعف غليظة تقي من حرارة الشمس اللاهبة..
الجميع هنا في خدمة راحة الأم.. لا أحد يتخلف عن تناول طعام الغذاء يوم الجمعة.. إنه يوم الأم
تصطف أطباق الحلوى والقهوة العربية والشاي بالحليب..
غرفت صديقتي من عجينة بنية مفرودة على طبق كبير: إنها ” عفوسة” مزيج من الرطب المهروسة مع الطحين المحمص بالزبد.. طبق أمي الخاص..مذاق عماني بحت .. مزيج من نخيل الشرقية وقمح خصب والجبل الخضر..
….
كل ما يتصل بالفنون من لوحات ونحاسيات .. صنادبق خشبية .. وفضيات.. سجاجيد ومساند مطرزة.. موجود هنا في فيللا الفنانة بدرية..
لم أصدق كيف انتشلت بدرية وصديقاتها كل هذه التحف واللوحات من الطين الذي خلفه جونو في منزلها وحديقتها.. أينما ذهبت.. تتفحص في النباتات والأشجار إلى أن تجد فسيلة أو بذور.. تضمها في منديل إلى حقيبتها اليدوية.. وما أن تصل الحديقة حتى تسارع إلى غرسها في حديقتها.. أوركيدا من تايلاند مغروسة تحت إبط جريد النخلة.. مقطع مبتور من شجرة ملقى في شارع منسي حملته كما تحمل كنزا وأصبح يتصدر أحد أركان حديقتها….
كنت أظن أن اهتمام بدرية بحديقة المنزل والعائلة لا يمنحها الوقت لعمل آخر..
وكان النقيض،ففي جولة صباحية رافقت بدرية إلى مشغلها.. فيللا صغيرة.. تضم رسومات وتصاميم لعباءات وأثواب وشيلات.. عقود وخواتم وأقراط.. تنشغل بصياغتها بما يتبقى لها من وقت تقضيه بين البيت والأسرة والحديقة….
في غاليري بدرية السويد كل مشغولات وفنون الخليج العربي وبلاد الهند..
مقاعد مذهبة بألوان مبهجة .. وستائر من كل نوع ولون لإعداد كوشة العروس..
أذهلتني بدرية ابنة مسقط العمانية.. كما أذهلت نيكولاس الإغريقي الذي ارتحل عن بلاده منذ 26 عاما لتغدو بدرية وعُمان موطنه وموطن أطفالهما أنس وأنّا وآدم..
: لم أتوقع أن يكون لي هذا العدد من الأصدقاء حين استلمت عملي هنا في مسقط.. لدي أصدقاء واجد.. ولمسقط ميزات محببة لدي،منها اللغة الجميلة والتهذيب والذوق البالغ الذي يميز أبناء عمان..أصبحت الآن أتحدث العربية بشكل جيد .. في الأردن وفي دبي لم أتعلم العربية .. الجميع هناك يحدثونك بالإنجليزية.. هنا لا أتحدث الفرنسية إلا مع أعضاء السفارة فقط..! يقول تيري الدانا مدير المركز الثقافي الفرنسي العماني في مسقط..: حين ولد ابننا “مدين – يان” اتفقت وزوجتي كاتيا التل العربية الأردنية أن يتحدث كل منا معه بلغته الأم..
هو الآن يتحدث العربية كأحد أبناءها وكذلك الفرنسية كما يتقن الإنجليزية التي تعلمها في المدرسة ويستخدمها مع من لا يتقن سواها..!
تعمل كاتيا الآن على الإعداد لمعرضها في فن النحت في إبريل وسترعاه كل من السفارة الفرنسية والأردنية في سلطنة عمان. وللعلم فإن عمان هو البلد العربي الوحيد الذي يتشارك مع المركز الثقافي الفرنسي من خلال وزارة التربية والتعليم ماديا وعمليا.. من حيث النفقات والبرامج والنشاطات..
تنظر كاتيا بخوف إلى اليوم الذي سوف يغادرون به عمان: لا أعرف كيف سأتمكن من ترك عٌمان.. أشعر كما لو أنني سأترك قطعة مني.. صديقاتي العمانيات كما لو أنهن قريباتي وأهلي..
الحياة في مسقط بشكل خاص وعمان بشكل عام ممتعة ومريحة.. الناس هنا محبون ودودين أيا كان موقع الواحد منهم ..!….
وفي تجربة أخرى،دعتني صديقة من العذيبة إلى جلسة نسائية في بيت عماني على مرتفع القرم.. غلب على الجلسة الحديث عن الهموم العامة وحتى الخاصة.. ولم تخلو من قفشات محببة من فضيلة الصحفية ذات الحضور البهي.. والتي أعدت المكان بحميمية في منزلها العابق بأريج شجيرات الياسمين وشدو أم كلثوم .. أضفى حضور صديقات من عدن والبحرين والمغرب والسعودية وأيضا من فنزويلا طقسا إنسانيا خالصا..
ساهمت سعاد ولبنى و زليخة ومنى و (وليم) وهذا/ اسم تسمى به الإناث في عمان وليس غربيا/ في شرح مكونات المذاقات العمانية التي حفلت بها مائدة فضيلة..
قبل انتصاف الليل ابتدأت النساء في الاستعداد للمغادرة .. فغدا يوم عمل لدى الجميع..
بعد أن توقفت عن العمل في الصحافة رغم أنها لم تتوقف عن إحساسها الصحفي ..آثرت فضيلة العمل الخاص لتصميم العباءات والشيلات..وتلتقط من هنا وهناك مواضيع لمقالاتها الصحفية..
على شاطئ القرم أقامت هيلدا الألمانية عالمها الجديد في فيللا الشمس.. تبدو هيلدا مستقرة ومنسجمة مع حياتها الجديدة في البيت الكبير تستقبل صديقاتها العمانيات والمقيمات في عمان من مختلف أنحاء العالم..
أعدت البيت ليكون نزلا للسياح والزوار الذين يميلون إلى البيتوتية..حتى في ترحالهم.. على الجدران علقت هيلدا لوحات صورت أبواب البيوت العمانية.. وشكلت مجموعة من الكمة لوحة على جدار البهو..تستمع في طهي الطعام مستعينة بطاهيات حذقات لتجهيز أطعمة تتناسب وأمزجة النزلاء..
….
اصطحبتني سعاد إلى حدائق وساحة الديوان السلطاني.. رغم الجمال الباهر.. فقد أذهلني أن يتاح الاستمتاع في هذه المساحات الشاسعة الوارفة.. كنت أصغي إلى همس تسلل عن كل من قلعة الجلالي والميراني الرابضتين على رؤوس الجبال الصارمة ترويان كيف تمكنت عمان من السيطرة على البحر وحراسة بواباتها الثلاث لمئات السنين..
…
لابد أن لكل مدينة أبوابا حضارية لايلجها إلا من يدرك سر المدن..
مفتاح أي مدينة هو المرأة ،والمرأة في عمان ذات هيبة وجمال وكذلك مدينة مسقط ،وأدل على ذلك مرة اخرى من الأبواب ونسق البيوت.. تبدو أبواب البيوت والحدائق،واسعة وأنيقة ومشغولة بزخرف دقيق..لا تفارق الابتسامة وجهها .. ولا تقع عينيك إلا على ما يسر فيها.. العمارة أنيقة ومنسجمة مع بعضها ومع المكان.. فلا تشويه أو مبالغة في المعمار على شواطئها أو جبالها.. الشوارع نظيفة ومزدانة بالأشجار والأزاهير..
..
ولكل مدينة إيقاع خاص بها أيضا.. هناك مدن تعاني من تسارع في دقات القلب وارتفاع الضغط والكولسترول.. وأخرى تعاني من قصور في القلب وهبوط في الضغط.. مدينتين لم ألمح عليهما أعراض الأمراض العصرية.. مسقط في جنوب جزيرة العرب وفلورنسا شمال إيطاليا.. مدينتين احتفظت كل منهما بهويتها وروحها وبهائها..
..
لتبقى مدينة مسقط وسائر المدن العمانية،مساحة للروح نستمد منها ذائقتنا البصرية والسمعية والجمالية..
مسقط / شباط 2008-02-20
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 18th, 2008 at 18 مارس 2008 5:38 م
أخت ربيعه
تطواف ساحر…..ومعلومات قيمة…..الخير فى أمتنا …ولكن هذه شعوب وخيرات تفجرها طاقات راشدة من قادة واعدين …ننتظر من هذه الأمة أكثر للمستقبل ..ولحضارة رائدة ……
شكرا للأسلوب الممتع
لك تحياتى و تقديرى
مارس 18th, 2008 at 18 مارس 2008 7:59 م
كعادتك صديقتي الرائعة .. تضيفين جمالا خاصا الى جمال الاشياء … عندما قرأت مدخل الادراج ..قلت في نفسي … ستتحدث ربيعة عن الشوارع و البيوت و الابواب فهي احدى هواياتها .. تذكرت حديثك عن الادراج في عمان …. الفرق بالنسبة لي .. اني كنت شاهدت ادراج عمان …. اما هنا … فقد اخذتيني بمعيتك الى هناك …… فهل انا مدين لك بتذاكر سفر ؟؟؟ ….
شكرا
مارس 20th, 2008 at 20 مارس 2008 11:05 ص
العزيزة والصديقة الأم
أريد أن أقدم لك التهنئة بعيد الأم، ولكن هل هناك من العبارات ما يختصر المعنى أكثر من عمل طارق الناصر “يا يمه”؟
يقول دوستويفسكي: الواقع يقلد الفن .
وأظن أن نصك هذا كان قبل أن توجد عُمان أو فلورنسا
دوما تمنحين الأشياء ما يجعلها أبها
تحيتي
مارس 20th, 2008 at 20 مارس 2008 12:09 م
عفوا ، يجعلها أبهى
مارس 20th, 2008 at 20 مارس 2008 1:48 م
تتدثر المدن بشرشف كلماتها ، وتغفو على وسائد جملها .. فتتحول الى سرب فراشات ..
المدن والامكنة بلغة ربيعة الناصر حضور الدفء في عتمة الصقيع ..
تجوال العين والحس ، ورسم للملامح ودفق شعور من الارصفة والابواب والشرفات .. العمران بين يدي ربيعة يتحول الى انثى بدرجة امتياز ..
اغار من مسقط المدينة والانثى ، اغار منها وعليها لانها كشفت روح سحرها في لغة هذه المرأة .. التي تكتب ولاول مرة بدفق انثوي غير مسبوق ..
كوني بصفاء سيدتي العزيزة
مارس 20th, 2008 at 20 مارس 2008 3:26 م
يقول عبد الرحمن في قصة حب مجوسية:”المدن هي البشر”..وهذه البشرية التي تتلقط أسرار المدن بروحها وتصفها كما تراها بعينها التي تستطيع جيدا ان ترى الجمال حيث يحل وحيث تحل هي،أشعر انها احيانا بعد عودتها من أسفارها مدينة تحيك من الترحال حياة غنية،وتبني حالة حضارية داخلها ترافقها اينما ذهبت..دمت بخير ربيعة
مارس 22nd, 2008 at 22 مارس 2008 6:55 م
تقولين سيدتي ( لابد أن لكل مدينة أبوابا حضارية لايلجها إلا من يدرك سر المدن..) و ايضا (لكل مدينة إيقاع خاص بها أيضا)…وصفك دقيق و لا ينم الا عن تعمق في فهم المدن و حكاياها.
اخذتني في رحلة الى هنالك, الى مسقط, و انا قابع في مكاني!!, رغم انه لم يكتب لي زيارتها عندما عزمت على ذلك في احدى السنوات, لم تشاء الاقدار!!!..شكرا لك.
اشتقت كثيرا لحديثك و مجالستك..دمت بكل الرقي و جميل الوصف..وليد النابلسي
مارس 22nd, 2008 at 22 مارس 2008 11:25 م
عزيزتي
فعلاً مسقط من أجمل المدن التي زرتها، وتعرفت خلال زيارتي على العديد من العائلات من الجاليات الأردنية والفلسطينية واللبنانية، أما أكثر ما اعتبرته كسباً لي خلال تلك الزيارة هو معرفتي بالفنانة النحاتة”امال عون بيجاني” وزرت معرض اعمالها في بيتها، استطيع تزويدك برابط نشاطاتها، ستسعدين بمعرفتها
جميل الابحار في مدنك،،سررت باكتشاف مدونتك
تحيتي
مارس 29th, 2008 at 29 مارس 2008 6:42 ص
زاد من بهجة صباحي اكتشافي “حكايا” ربيعة الناصر!
مسقط، وعُمان، من الأماكن التي أحلم بزيارتها، ومعرفتي القديمة والجديدة ببعض الأصدقاء العمانيين لم تشفع لي بعد بهذه الزيارة.
كلامك الفاتن عن مسقط رحلة إلى عالم الجمال الفاره.. سأعود إلى هنا مرات ومرات لإدراك ما فاتني من عالم الجمال.. عالم ربيعة الناصر!
والشكر لا يكفيك على هذه الروعة!
ابن بطوطة
أبريل 8th, 2008 at 8 أبريل 2008 11:49 ص
ربيعة..
استفدت من معلوماتك الضافية.. واستمتعت بسلاسة أسلوبك..
خالص تقديري واحترامي ومودتي..
أبريل 10th, 2008 at 10 أبريل 2008 11:59 ص
المبدعة ربيعة الناصر
تجولت في مدونتك ودخلت هنا وهناك وطبعا استمتعت كثيرا بهذا التطواف لك مني وردة محبة تعبق بالأحترام ولعُمان العزيزة تلك التي لا نميزها عن عمان الا ّ بتلك الضمة الدافئة .
مايو 14th, 2008 at 14 مايو 2008 10:09 ص
شكراً لك السيدة ربيعة الناصر على هذا الوصف الجميل لبلدي عمان ونحنوا العمانيون نرى جمال بلادنا من خلال عيون زوار السلطنة الاعزاء , فأهلا وسهلاً بك دائماً في بلدك الثاني عمان