حكايا

الثلاثاء,شباط 05, 2008


 تعثرت الدابة وأسقطت "الطحنة" ..

حدث ذلك في طريق العودة من مطحنة اعتادت النسوة في القرى المجاورة، طحن القمح وجرش الحبوب بها.
................

قليلا ما كان الأب يلقي على بناته بالتعليمات الواجب الالتزام بها حيال الحياة..
وكثيرا ما كان يروي لهن حكايات عن الجدات والعمات ..
كانت لديه قدرة فائقة على تصوير المشاهد التي عاشها أو سمع عنها..
تمسك الصغيرات الأنفاس، تتابع باستمتاع السرد الأنيق ويحاذرن مقاطعته.. كي لا تفلت منهن اللحظة ..
"عمتي أميرة.. شيخة حقيقية... ذات هيبة ووقار وحضور فطن وجميل.."
تكتمل الصورة لامرأة ممشوقة في ثوب أسود وحطة رأس مشغولة مع خيوط القصب..تتصدر البيت الكبير.. وتشارك أفراد عائلتها من الرجال في التخطيط  للموسم الزراعي القادم بحكمة ودراية..
..........

افترشت الأرض، وامتدت يدها إلى حقيبة مصنوعة من بقايا ثوب أسود.. تناولت علبة "التتن" فركت التبغ بأطراف أصابعها، لإعداد لفافة، عسى أن يمر من يعينها على إرجاع كيس الطحين على ظهر الدابة..

أشعلت اللفافة وسحبت نفسا ًعميقا، تبغ بطعم بنزين فتيل الولاعة الحديدية!
...........
في أول يوم عمل لها في مدرسة القرية.. بعد تقديم أوراق النقل لمديرة المدرسة / لم يكن التدخين محظورا بعد في مدارس وزارة التربية والتعليم / تناولت علبة السجائر وأشعلت لفافة.. ابتسمت إحدى المعلمات القادمة من منطقة أخرى وعلقت بقولها: ها أنت تؤكدين العبارة التي كان يرددها الكبار قديما.. حين تلفت انتباههم سيدة جميلة ذات حضور" مزيونة .. بس لو بيدها سيجارة"
.....

بدأت الشمس تميل للمغيب، دون أن يلوح لها أحد يساعدها في رفع "الطحنة"

انتشر الظلام وأضاءت النجوم السهل الممتد، وقد بدأ يغفو بعد نهار شاق.

انتابتها قشعريرة إذ تذكرت حكايا السمّار من أهل قريتها عن ذلك الحيوان النتن..
يقال بأنه يخاف الضوء ويتجنبه، لذلك تراه يترصد فريسته في ظلام الليل، ولا تكاد تخلو سهرات  القرويين من حكايات الضبع مع القرويين .

بادرت إلى إعداد عدد من لفافات التبغ.. وسارعت إلى إشعال واحدة وقد لاح من بعيد "زوال" يتحرك صوبها.. أمنعت النظر.. وتيقنت منه.. إنه هو!

بدأ يحوم حولها، في انتظار أن ينطفئ الضوء المنبعث عنها، دأبت على إشعال لفافات التبغ الواحدة من عقب الأخرى!

فيما أخذ ينبش الأرض بأطرافه.. يتمطى.. ويتمدد.. المرة تلو المرة.

:كمن يحفر قبرا.. من منا سيقبع فيه ؟ تساءلت في سرها..
يتوهج التبغ..  هو يقف لها بالمرصاد.. ينبش ويتمطى..ينتظر أن تطفأ نارها!

"لا محالة عن الموت حق.. لكن ليس بمخالب حيوان كريه.. فهذه ميتة لا تليق لشيخة .

عشرات اللفافات احترقت.. والضبع يناور..

تأهبت، راقبته بحذر إلى أن تمدد وتمطّى . جمعت ما كمن من طاقتها، وعاجلته بأن هالت عليه الطحنة .

أغرق كيس الطحين جسد الضبع بالكامل .

فوق كيس الطحين، جلست! وبكل جسارة وهدوء أعدت لفافة تبغ جديدة تساعد في إبقائها يقظة..
أدركها الفجر، وصاح ديك معلنا بدء نهار جديد.

استفاقت القرية..
وبدت جموع صغيرة من الناس والدواب تتخذ طريقها في اتجاهات عدة..
اقتربت منها واحدة من الجموع ، ردّت التحية..سألتهم المساعدة في رفع كيس الطحين، تقدم منها شابان ورفعا الطحنة على ظهر الدابة.
ارتدّت العيون عن الجثة الملقاة في الحفرة تسأل...

بازدراء أجابت: إنه كلب لا غير !!! 



في09,شباط,2008  -  09:27 صباحاً, ريميديوس كتبها ...

الإنسان في أوقات الخطر تتضاعف قوته العضلية وسرعة تفكيره،لذلك نجد كثيرا من حكايا العمة أميرة غير المتوقعة والتي تقترب أحيانا من الأساطير..دمت بخير

في11,شباط,2008  -  09:51 مساءً, طارق لحمادي كتبها ...

حكاياك بمتعة الدفء .. روح من الحميمة تلفنا ونحن نستمع ونستمتع ، لاتكلف هنا .. لا اطر فنية تعيق فاعلية الحكي وتحاول تلبّسه بخطوط والوان معينة ، فقط الحدوثة هنا تتواصل مع روح قارئها بدفء الصدق ..
تتبدى ملامح الايام الخوالي .. يتبدى لنا الاهل وحياتهم وجدلهم مع الطبيعة والمكان وعلاقاتهم بالليل والخوف والاشياء .. رموز لذيذة لحياة مضت وانقضت ، بقلم مفعم بالحب والعطاء للفاضلة ربيعة الناصر
دمت سيدتي بصفاء

في11,شباط,2008  -  09:58 مساءً, طارق لحمادي كتبها ...

فلتسامحني الرائعة ربيعة الناصر ان وجهت ندائي من على صدر صفحتها الى الكريمة ريميديوس ..
سيدتي لا نجد لك اثرا ، عودي الى الكتابة فهي دواء جراحنا .. وهي لحظة توافقنا مع الوجود ، وهي شعرة معاوية التي نشدها ونرخيها كلما اثقلت الحياة علينا ..
ارجو من عمق قلبي ان اجد جنانك عامرة بثمر الكلام ، في اقرب الوقت ..
الى ذلكم الحين
كوني بصفاء
تحياتي القلبية للرائعة ربيعة الناصر