تجوال ذاكرة
كتبهاربيعة الناصر ، في 21 كانون الثاني 2007 الساعة: 23:35 م
البائع في المكتبة يراكم أمامها كتب لكاتبات عربيات من الجزيرة العربية ومن مشرق ومغرب البلاد العربية..
يسهب في وصف كتابات النساء العربيات وشجاعتهن في تعرية ذواتهن..
في السبعينيات انتشرت ظاهرة الميني والميكروجيب بشكل سافر في بلادنا واجتاحت المدن الصغيرة.. لم ترق لها هذه الموضة وهي معلمة وأم شابة كي لا ينشغل
محدثها في التسلل إلى خصوصية تنأى بها عن الشارع.
أحبت من الملابس ما يمنحنها الجمال من غير تطرف أو تزمت…في معرض للصور عن الأدوار التي تقوم بها المرأة.. أقامته واحدة من النساء المهتمات بالدعوة للتحرر والمساواة..
شمل المعرض صورا لنساء قرويات يقمن بإعداد الخبز على نار الحطب وأخريات يعملن في الحقول والحصاد.. أصغت لهمس النساء المسنات اللواتي جيئ بهن خصيصا لمناقشة قضية اضطهاد وعبودية المرأة..كن يتنهدن ويرددن: سقالله أيام كنا نأكل الخبز الطازج من قمح الأرض الذي نزرعه ونحصده بأيدينا..اليوم الذي يذهب لا يعود أبدا
وتابعت البحث في جديد غابرييل جارسيا وإيزابيل الليندي.. التقطت مجموعة بيرم التونسي.. ووقعت عيناها على مجموعة قصصية قصيرة لميلان كونديرا.. أضافتها لمجموعتها المختارة.. إنها المرة الثالثة التي تقتني فيها رواية كونديرا هذه.
نحت الروايات النسائية جانبا.. روايات بات الغرب مغرم بترجمتها وتوزيعها على نطاق واسع.. من أجل التأكيد على تخلف مجتمعاتنا ولتبرير الوصاية الغربية الأمريكية.. هل التقينا من قبل.. أشعر أني التقيتك.. وسمعت هذا الصوت من قبل.
التفتت .. لم يكن هناك غيرها وغير الشاب الذي صعد معها إلى قسم الروايات والأدب في مكتبة مدبولي في شارع طلعت حرب..غاصت بين عناوين الروايات وكتب الشعر..
لم تلحظ الرجل المسن الذي يقف إلى جوارها : هل نعرف بعض من قبل؟
هزت رأسها بالنفي ورددت بصوت يبحث في الذاكرة: عفوا.. لا أذكر أني التقيتك.. أو ربما نكون التقينا في أحد الأماكن العامة.. أحيانا يحدث هذا.. ما يجعلنا نعتقد بأننا نعرف من نلتقيهم…. عرفته بنفسها..عرف بنفسه، لم تسمع باسمه من قبل..
تابعت مبتسمةة: أجمل ما في التقدم بالعمر.. أننا نتحرر من الخوف الذي يجعلنا نخفي أسماءنا وكنية عائلتنا وأين نقيم.. وخاصة بالنسبة للفتيات.. لأننا ونحن في مرحلة الصبا نخشى الإيقاع بنا من وله الشباب المتهور..بيد احتضنت مجموعة الكتب التي اختارتها.. ومدت يمناها تستأذن وتصافح الرجل بدا لها وكأنه يبحث عنها..
تركت مكتبة مدبولي ووقفت على الرصيف.. تلفتت تبحث عن مقهى تتصفح فيه الكتب التي اختارتها..
اكتشفت أنها تقف مقابل مقهى جروبي، هذا المكان الذي شهد غراميات شخوص إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي في روايات شغلت حياتنا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي..
اختارت طاولة صغيرة بعد أن طلبت القهوة مع بضع حبات من الشوكلاتة سارعت إلى تصفح كتاب كونديرا.. بحثا عن فكرة معينة..
قرأت: تكمن قيمة الإنسان البشري.. حين يتجاوز الإنسان نفسهليس أجمل من أن تكون في الغير.. أن تعيش في ذاكرة أخرى..أن تكون خارج نفسك…
بأنفاسها أزاحت الرغوة الكثيفة من على وجه القهوة….
تجهد في استحضار وجه الرجل الذي التقته في مكتبة مدبولي.. وجه رجل تجاوز الستين..فكرت أن تعيد للوجه نضارة الفتيان.. فتى في السادسة عشر من عمره..ينتظر أمام حافلة.. تتقدم للصعود فيبتعد قليلا مفسحا لها الطريق..ترتسم طيف ابتسامة على وجهها وتتخذ لها مكانا مجاور لفتاة تكبرها.. يبدأ معاون السائق بجمع القطع النقدية.. يتجاوزها..
تنده عليه بصوت خجول:لو سمحت؟تأتيها الإجابة: مدفوع تسأل بحذر: من دفع؟
يشير إلى الفتى الجالس خلفها..ترتبك.. لا تعرف الفتى..
لمحته منذ يومين فقط يقف عند موقف الحافلات..
تعتذر : لو سمحت تفضل.. لا أريد لأحد أن يدفع..صوت ارتطام على أرضية الحافلة….وقطعة نقدية ملقاة تحت قدميها..
هبطت الحافلة وتوجهت إلى البيت…انشغلت مع شقيقاتها في الدراسة واللهو ونسيت أمر الفتى.صباح اليوم التالي..
صعدت الحافلة واتخذت مقعدا خلفها صعد الفتى.. وبلمح البصر ألقى بحجرها مغلف انتفخ بالأوراق..
يبدو أن الفتى لم يغمض عينيه ليلة أمس..ولكن ماذا ستفعل بهذه الرزمة من الأوراق والتي لا تعرف ما كتب بها!..
لا يمكنها إخفاءها عن أعين البنات في المدرسة.. وهي لا تعرف الفتى ستكون عرضة لأقاويل لمجرد أنها نالت إعجاب فتى لم تعرفه ولم تعده بشيء…. ..
غادرت الحافلة والمغلف الخطير ..رغم أنها بدأت بتقطيع المغلف إلى أوصال.. تمنت لو تعرف ما حوته الأوراق..
بدأت تذر النتف الورقية في الطريق إلى أن وجدت نفسها تقف أمام بوابة المدرسة..
زعقت سيارة وهي تهم باجتياز البوابة..
التفتت .. نقدت النادل في مقهى جروبي..
أشارت لسيارة أجرةلمحت الفتى المسن يقف على الرصيف المقابل خارجا من مكتبة مدبولي متأبطا مجموعة من الكتب
8 - 3 - 2007 .. .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 9th, 2007 at 9 أبريل 2007 11:41 م
في 31,آذار,2007 - 09:22 صباحاً, ربيعة الناصر كتبها …
الأصدقاء الأعزاء…
أثناء محاولتي الدخول على مدونتي.. ارتكبت خطأ فادح.. بدل أن أعطي الأمر بالمشاهدة صدر أمر بالحذف.. ففقدت إدراج : تلك أمي وتجوال ذاكرة .. ولكن بفضل جوجل وخيارات البحث استعدت كتاباتي.. استغرقني البحث ما يزيد عن ال10 ساعات.. أحب أن أشير هنا إلى فضل تعليقات الأصدقاء في العثور على الإدراجات المفقودة.. يأست من الحصول على النص كاملا.. إلى أن جربت البحث عن طريق اسم واحد من الأصدقاء “طارق لحمادي” مع عنوان الإدراج.. استخدمت بالبحث التالي:
طارق لحمدادي: تجوال ذاكرة
وهكذا وصلت إلى النص كاملا مع التعليقات من غير نقصان..
ذكرت ذلك هنا.. لتفسير التظليل الذي لم أعرف التخلص منه.. ولتعميم الفائدة في حالة حدوث فقد لإدراج عن طريق الخطأ كما حدث معي.
ولكل الأصدقاء يرجع الفضل في استعادة إدراجاتي..
ربيعة الناصر
أبريل 17th, 2007 at 17 أبريل 2007 4:43 ص
لا زلت فى حاجة للقراءة المتكررة ..لما تكتبيه سيدتى …امنحينى فرصة اخرى
اكتفى فقط بالتهنئة على استعادتك تلك أمي..وتجوال الذاكرة
مايو 5th, 2007 at 5 مايو 2007 3:28 ص
صباح الخير
عدة مواضيع شغلتني وأنا أقرأهذه الخاطرة ،جميعها قررت تأجيلهالمرات قادمة وذلك لاحساسي أن الموضوع الذي سأتحدث عنه أهم:
كان يلفت انتباهي منذ كنت في المدرسة الثانوية أن المسلسلات الأردنية تتحاشى ذكر أي منطقة أو جبل أوعنوان فيلجأوون لكلمات مثل القرية.. المدينة.. هناك………………الخ
وكأن حرام على عمان أن تتحدث عن جبالها و حاراتها .
لقد عرفنا كلنا شارع الهرم ،وشارع محمد علي، و حي السيدة زينب، ومقهى جروبي، ومكتبة مدبولي …………..
وصرنا نتمنى رؤيتها عرفناها من الأفلام والمسلسلات المصرية.
وعرفنا الصالحية، وباب توما، والغوطة …………………من المسلسلات الشامية.
وعمان ماذا عنها لماذا لانتحدث عن معالمها ،سوق منكو، مطعم هاشم وكشك أبو علي لبيع الكتب، وشارع الشابسوغ، والدوار الثاني ،وجبل الويبدة و وادي رم ،والبتراء ،وضانا، والجامعة الأردنية ،وجامع أبودرويش، واربد والسلط ومعان و ………….الخ .
لماذا لا نذكر هذه المناطق الجميلة حتى يتمنى المشاهد في أي بلدأن يزورها. الى متى نبقيها مجهولة .
ماجعلني أذكر هذا الموضوع هوأنه عندما تحدثت صديقتنا ربيعة عن زيارتها لمكتبة مدبولي ولمقهى جروبي كانت تتحدث عن أماكن يعلم عتها الجميع من الأفلام المصرية .
فلماذا لا نتحدث عن عمان ونوظف مسلسلاتنا للتعريف عنها كمافي القاهرة
زبما تكون القاهرة اكبر لكن كماتقول فيروز :
بقولو صغير بلدي وبالفرح مسور بلدي،بقولوا قلال ونكون قلال بلدنا خير وجمال بقولوا يقولوا ويضلوا يقولوا شوية صخر وتلال ،يا كبير وبالحب صغير ومابيعتدي ، يا بلدي ………………
ملاحظة:
أنا أبي أمي وجذوري من فلسطين ، أنتمي الى الخليط الذي تحدثت عنه ربيعة في خاطرة سابقة وتتسعنا عمان رغم صغرها (يا صغير وبالحب كبير ).
مع تحياتي
كفاح عدنان
يوليو 25th, 2007 at 25 يوليو 2007 12:39 م
تعود ربيعة الناصر من الاسكندرية ، وتعود معها الذاكرة .. ويتجاوز الماضي والحاضر في سنفونية ابداع شيق ..يتداخلان مرة ويتوازيان مرة اخرى .. ونلاحق لعبة التشكيل بحبس انفاسنا ونحن ناخد كرسي المقدمة في بداية مسرح الذاكرة ، وننتظر بنفاذ صبر رفع الستار …
الذاكرة لا تتعرى الا بأحداث آنية تلامس الروح الحاضرة .. ونحن نرى ابعاد مسرحية الذاكرة حتى قبل ان يرفع الستار .. نلمح ذلك من خلال الراهن الذي يصادف الكاتبة ..
ان كم الكاتبات العربيات وكتبهن وتعرية ذواتهن ، ووصف البائع واسهابه ، يحرك ستار المسرح قليلا فنلمح ربيعة المعلمة الشابة وهي تختال في ملابس تتقاسمهما الجمال والحشمة ، وترى روح الشابة في روح المراة المظللة باعوامها الستين .. وتترك فاصل صمت بينها وبين البائع حتى لا يتسلل الى حميمية اشياءها ..
يتحرك الستار قليلا .. تبدو صور الذاكرة وهي تنساب .. معرض نساء .. نساء التزمن بصناعة مملكة الداخل ( البيت ) .. لوحات تراثية او هكذا ترسم صاحبة المعرض .. هناك مسافة ما بين مايرسم ومن ترسم … لفيف من نسوة جيء بهن حتى تكتمل صورة اضطهاد المراة اكثر .. والنسوة تكفرن بما آمنت به المستنيرات .. هناك غربة وتصدع بين الرسامة ولوحاتها ، نفس الغربة والتصدع بين من يطالبن بالحرية لنسوة بلا قيد …
تختفي روح الشابة ، تتوارى فتاة الماضي وتواجهنا ربيعة وهي تلتقط مجموعة بيرم التونسي وتمضي لتقف بين صوتين …
- هل التقينا من قبل .. اشعر اني التقيتك .. وسمعت هذا الصوت من قبل ..
تجد نفسها قد تحولت الى طفلة ، انه السقوط في بحر الذاكرة ..
- هل نعرف بعض من قبل ؟ …
عودة الى واقعها ، الى سنواتها الستون ، الى ارض الواقع الصلبة التي تقف عليها ..
تجهد نفسها بالبحث في الذاكرة بالارادة الواعية ، تسقط منها احتمالات المعرفة ، بين الطفلة والمراة تضيع وتضيع ( ضاد شدة) الاصوات ، ايهما يحرك شعور الاحساس بواقعيها الماضي والراهن …
بذكاء واع تقسم ربيعة نفسها وروحها وقلبها الى قطعتين متجاورتين ، لتفتش عن لحظة الحقيقة في داخلها ..
على مقهى جروبي تحاول اعادة بعث الماضي بريشة الذاكرة ..
تكبر فتحة الستار اكثر ، ويغدو بامكاننا مشاهدة الحوادث المتلاحقة .. وجه رجل جاوز الستين .. تحوله الريشة الى فتى في السادسة عشرة من عمره ، تشي خشبة مسرح الذاكرة بالفتى وهو يفضح هيامه بربيعة بدفع تكاليف تذكرة ركوبها .. تنتفض الفتاة من خجل وترفض فكرة دفع تذكرتها … خارج الخشبة اخمن انا كقاريء هل يمكن لرجل الستين ان يدفع ثمن قهوتها ؟…
ابدو قد سرحت قليلا مع انسياب خواطري لكن رزمة الرسائل الملقاة بين يدي ربيعة الطفلة تعيدني الى واقع القراءة ومن ثم الى واقع خشبة الذاكرة ، ثم استيقظ على وعي الواقع او توقظني القاصة على صوت زعيق سيارة لتجعله قاسما مشتركا بين الحلم والواقع ، بين راهن الذاكرة وراهن الحياة ، بين الطفلة والمراة ، بين فوضى الحب وحكمة الكهولة ، بين طفلة تجتاز البوابة على خشبة الذاكرة وامراة تجتاز ذكراها اللذيذة على مقعد كرسي في مقهى جروبي …
استيقظ انا ..
تستيقظ القاصة ..
تنقد النادل .. تشير لسيارة اجرة بالتوقف وتلمح في خلال ذلك الفتى المسن يقف هناك على الرصيف المقابل …
يكتمل تجميع اجزاء الصورة في نهاية القصة ، ويتوحد الاحساس ، احساس الكاتبة وترى في صورة الفتى المسن .. القلب والعمر ، وتكاد تهمس لنا .. ان الحب يكفر باعمارنا ويباغتنا في لحظات النهايات فنستنجد بالذاكرة ملاذا نحتمي به من سعير الزمن ..
تشكل ربيعة وبامتياز ، روعة القفز بين الحاضر والماضي ، بين زمن الواقع وزمن الذاكرة .. بلغة شفافة وسلسة وحوار ذكي متقن ، وتبرهن لي مرة اخرى ، انها تغرى بحبس انفاس قارئها ، وبعثرة ذهنه على مساحات من التخيل .
تدعوك بروعة لغتها ولعبتها ان تلحق بها .. وان تركب الحافلة معها وان تجلس خلفها وترهف السمع الى مايدور من حديث بينها وبين نفسها ، والشاب يدفع تكاليف التذكرة بدلا عنها ، بل انها تشعلك فضولا لتقوم من كرسيك وتسحب الستار بيدك حتى ترى مسرحية الذاكرة وهي مكتملة الحدوثة …
……………..
……………..
في17,آذار,2007 - 08:16 مساءً, ربيعة الناصر كتبها …
الأستاذ طارق لحمادي..
أقول الحق.. فإن نصك المسرحي هنا بدا أجمل وأكثر إمتاعا من تداعيات ذاكرتي..
لم أتبين مناطق الإبداع في النص إلا بعد قراءتك النقدية المستفيضة..
وأجيب.. لو أنها شعرت برغبة في صحبة الفتى المسن على فنجان قهوة.. فلن تجد حرجا في دعوته.. إنما يبدو أنه لم يكن أصلا فتاها !
غمرتني بقراءتك المتأنية..
أعتقد أن لم أقرأ من قبل ما يماثل قراءاتك النقدية..
مودتي وتقديري
ربيعة الناصر
يوليو 25th, 2007 at 25 يوليو 2007 12:44 م
الفاضلة ربيعة انها قراءة موضوعية ، اعتمدت الحس في مواجهة رحلة ذاكرتك ، هنيئا لك الرحلة وهنيئا لك هذه القصة ، اما عن مدونتي فهي مدونتك ياسيدتي …
مودتي واحترامي
طارق لحمادي
يوليو 25th, 2007 at 25 يوليو 2007 9:13 م
العزيز طارق.. أسعدني كرمك.. أن تكتب التعليق مرة ثانية بعد أن أضعته بسوء استخدامي للتكنولوجيا..
وكم يسعدني وجودك في عالم التدوين..
لست فقط كاتب متميز.. بل وقارئ أميز..
مودتي واحترامي