في الفراش، يتمطى الأولاد في محاولة لاستبقاء النوم لساعات إضافية عن المعتاد... الزوج يجول البيت في ثياب النوم.. يستلقي على الأريكة أمام التلفاز .. إنه يوم إجازته من المصنع الذي يديره: منهك حتى النخاع!
هذا ما يردده كل يوم جمعة..
تحمل الأطباق وتلتقط مفاتيح السيارة وتنطلق..
أمام محل الحمص والفول تصطف منتظرة الدور
في هذه الضواحي العصرية من المدينة الممتدة للغرب.. لا أحد يكلم الآخر.. رغم أنها تلتقي معظم المصطفين على الدور من سكان المنطقة هنا وفي السوبر ماركت وأمام محطة البنزين.. لدرجة أصبحت بها تلحظ أي من الوجوه غاب..
تنظر إليه خلسة.. تمسكه متلبسا باختلاس النظر إليها
تعرف هذه الملامح جيدا.. أين رأته.. في حفل عرس إبنة صديقتها.. ربما
تنشغل في الإجابة على مكالمة..
: نصف ساعة وأنا أقف في الدور.. ما رأيك لو تأتي وتأخذ مكاني.. وأنا أيضا متعبة.. لو يجهز أحدكم الشاي..
تنتهي المكالمة فجأة.. تتلفت.. هل عرف من حولها أنه أغلق الخط في وجهها..
تلتقي عيناها بالرجل الخمسيني يتفحصها بإمعان..
تنبش الذاكرة ملامح فتى اعتادت مصادفته لدى محل الفوال..
يرمقها باهتمام..
أعد لها الفوال صحن الحمص بعناية..
: عشرون حبة فلافل.. أشارت إلى الشاب يرمي بكرات الفلافل في الزيت الحار
ترقب حبات الفلافل تزداد احمرارا..
تستمر الحملقة.. تسمع صوته لأول مرة..
: ألست ابنة الجيران على ظهر التل..؟
تكشفت الصورة جلية الآن، رأتها تقف هناك أمام محل الفوال، بنت صغيرة مشعثة الشعر، تزاحم الأولاد للاقتراب من واجهة زجاجية يقف خلفها ابن الفوال أيام الجمع بابتسامته التي تتسع كلما اتسعت دائرة الحمص بالصحن..
حملت إفطار العائلة وغادرت من غير أن تلتفت أو تجيب بكلمة!
قادت سيارتها باتجاه البيت .. فيما كانت فتاة صغيرة تنوء بحمل طبق كبير من الحمص، خلفها يسير فتى يرمق وجهها المكتسي بالعبوس..
بدأ الدم يغلي في رأسها.. وصلت البيت.. كان أفراد العائلة قد اتخذ كل واحد مكانه حول مائدة الطعام في انتظار الحمص والفلافل..
سمعت صوتها يزعق بهم..
وجم الجميع حين ألقت بالطعام على الطاولة..
: بعد اليوم لن أذهب لشراء الفول والحمص لكم..
الزوج ظن أن هناك من أساء الأدب معها في الشارع..
واعتقد الأولاد أن الأم صدمت السيارة لذا هي تصرخ قبل أن يؤنبها الأب..
: منذ 40 سنة، لا يراني نايف إلا واقفة بباب محلات الفول والفلافل...
تابعت بهمس ودموعها تنحدر على وجهها المتعب: ربما...حملقة الرجل بي ذكرتني بأن على أحدكم أن يأخذ الدور عني على باب الفوال!!!
كتبها ربيعة الناصر في 07:48 مساءً ::
قصة هامسة ، وبطلة منهكة ، ودموع ...
ينوء كاهل المرأة بتبعات العمل ، وتتحول الى أداة سعادة في يد الرجل .. بين مملكتي الداخل والخارج تتوجع .. الطابور ومسيرة الاعوام الطويلة ، والحملقة التي تحمل ألف سؤال وتباغث باستفسارات شتى ..
تبكي الام والمراة والانثى بحرقة طفل .. في انتظار من ينوب عنها ليحمل تعب الانتظار في نقل صحن الفول ..
تقدم ربيعة الناصر لوحة تعب بلا اصباغ ولا رتوش ، انه الوجع الانثوي الذي يتلاحق في مجتمعات تحولت فيه المراة الى الاداة الكلية لتقديم الحب والتربية والغذاء والتعليم والعناية لبيتها وابنائها وزوجها ..
انه ثقل لاتفصح عنه غير دموع الحرقة التي تغسل بها روحها من وجع الايام ..
كوني بصفاء سيدتي
تحياتي ربيعة:
في القصة،هناك نوعين من السخصيات الإنسانية: الإنسان المسؤول(البطلة) الذي ينبري لاعتلاء صهوة الفعل عندما يرى هنالك واجبا يستجدي فاعلا يحترم مهمته الوجودية التي لابد أن تمتلئ بالجدوى،وتتجذر عنده تلك الروح المسؤولة ،حتى يخال من حوله أنه الفتى الذي ينهض ليحمل الأعباء كل ما لزم الأمر،وبالتالي تسترخي همم من حوله،ويصيرون أقرب إلى اللامسؤولية أو التواكل وهذا هو النوع الثاتي من الشخصيات الذي ظهر في القصة(باقي أفراد العائلة)..
والحقيقة:أن ليس هنالك ظالم ومظلوم "هنا"،فالعدالة تقتضي الاستبسال لأجلها،لماذا بقيت بطلتك تذهب لتأتي بالحمص؟..لماذا لم يردعها ضميرها تجاه ذاتها أن تتوقف عن تقديم نفسها مع صحن الحمص ذلك،كعطاء يعرف باقي أفراد عائلتها أنهم سيجدونه لامحالة.."العادة رهيبة" ياربيعة كما يقول ماركس،تعودت البطلة أن تُقدم،وتعود الأخرون أن يستقبلوا..وهذا ما يضجر يقينا في نهاية المطاف..الإنسان يضجر من أن يقف في زاوية واحدة،وأن يقوم بالدور نفسه،وأن يتعود أيضا..لابد من التنقل بين سلسة من الادوار الإنسانية حتى يصبح حيّا بمعنى حقيقي،يجرّب كل الصنوف من الأدوار،فيعيش حيوات متنوعة لا يصل معها إلى حالة الانتفاض التي وصلت إليها البطلة التي شعرت بالاستنزاف والضجر في النهاية..
الطرح في القصة غاية في الأهمية،فالإنسان المسؤول بذرة تحتاجها مجتمعاتنا بشدة،وأن يأخذ الإنسان بعين الاعتبار المراوحة بين أدوار الإنسان جميعها أيضا حالة لابد أن يتفكر فيها المرء ويعيشها كي يحترف الرؤية جيدا وأن يتمتع دائما بالتجارب المختلفة..أعتقد أنه سيصل إلى حالة من التوازن وحالة من السيطرة على سيرورة حياته..
دمت بخير ياصديقتي
العظيمة ربيعة الناصر
وحشتينى جدا .. والحنين الى كتاباتك يزداد ومدونتى تشكو غيابك
مودتى لشخصك الرائع
انا وقفت طويلا في طابور الحمص ولكن في مطاعم المخيمات والاحياء الفقيرة عندما كنت ازور شقيقتي.....لكل شيء مذاق خاص...
اليوم لازلت اترك مطاعم رام الله الفاخرة واتجه سيرا على الاقدام الى مخيم الامعري لشراء الحمص وشم رائحة الهواء......
استاذة ربيعة لم لم تتوقف وتتحدث الى نواف بكل بساطة...لماذا لاننفذ دائما ما يخطر ببالنا...ذلك برايي افضل من التساؤل.....كسر الدائرة
امنياتي لك بوقت ممتع اثناء تغميس الحمص وتحياتي لروابي الاردن البلد الذي اعشقه......
صباح كل الود استاذتنا الجليلة ربيعة الناصر, حكاية اخرى تاخذنا نحو عوالم الجمال و خبايا الانسان و تفاصيل حياة يومية.
بعض الشخوص يستمتعون بانهم ما زالوا يقدمون و يعطون, فهذا لابأس به, لكن على ان يكون بالمقابل من يقدر و من يشارك بجزء منها, و لو في ابسطها هما كما هو صحن الفول. اما زالت البطلة تمارس نفس الدور ام هنالك من أخذ الدور عني على باب الفوال!!!
كوني بخير دوما..وليد
خاطرة دافئة ، وقلم ذهبي
جميلة جدا ، أشكرك
الاسم: ربيعة الناصر
