شباك.. فراس

كتبهاربيعة الناصر ، في 23 تشرين الثاني 2008 الساعة: 13:56 م

   لا يكاد ينتهي فراس من كتابة الدرس المكتوب على اللوح الأسود .. حتى يبدأ في سحب القلم من يد زميله .. شد حزام البنت الجالسة إلى جواره، ركل آخر في المقعد المجاور، لا يتوقف عن مناداتي، يفشي لي عن ولد شاهده بقضم بالسر من (عروسة الزعتر والزبت) أو طالبة تلعب بصنابير المياه في الساحة..
فيما بعد سأسمح للصغار بتناول (ساندويشات اللبنة أو الزعتر) في الصف ..
وسأطبق بالاتفاق مع مديرة المدرسة نظاما خاصا لصفي، بحيث أواصل إعطاء الثلاث حصص الأولى من غير أن أترك الصف في فترة ال5 دقائق.. لأمنح صفي 10 دقائق إضافية قبل الفرصة، يتناول فيها الصغار الطعام بعيدا عن الكبار الذين يختطفون الساندويشات أثناء جريهم في ساحة المدرسة..
أما فراس، فقد وجدت في تكليفه ببعض الأعمال الصغيرة، وسيلة تشغله عن التحرش (البريء) بزميلاته وزملاءه ..
أثناء اطلاعي على دفتره وكتابة الملاحظات، أجهد في البحث عن عمل يشغله ويتناسب وطفولته ” ما رأيك لو تجمع الطباشير الملونة وتضعها في علبة منفصلة عن الطباشير البيضاء”..؟
أو أطلب منه حمل سلة الأوراق وتفريغها في الحاوية المجاورة لغرفة الصف..

وأحيانا كنت أرسله إلى مكتب المديرة لإحضار المسجل الصغير أو بعض الأوراق..
كان فراس طفلا ذكيا سريع البديهة والأداء .. أول من يجيب على الأسئلة وأول من ينهي المطلوب في الكتابة..
….
مديرة المدرسة، كلما زارت صفي، لا تنفك عن قول: أعرف جيدا أنك لست ممن يتحلى بطول البال أو الهدوء الدائم، ولابد أن أبدي لك دهشتي من تقبلك لهذه (الهيصة) من الاطفال..
ودائما أجيب نفس الإجابة: إن طول النفس والهدوء، ضرورة إذا أردنا أن نحبب الصغار بالدراسة، إنها قناعتي بأنني من غير الالتزام بهاتين الصفتين فلا منفعة مني ترجى.. !!!
ورغم كل هذا الحرص .. إلا أننا كثيرا ما نقع في أخطاء قد تبدو للآخرين ناتجة عن إهمال أو سوء تقدير…
ذات يوم حضرت إلى الصف المعلمة المناوبة تسألني: أين فراس ؟
: إنه هناك يجلس في مكانه..
: لقد شج رأس ولدا كان يمشي في الشارع ..
: كيف.. لم يغادر فراس الصف إلا لتفريغ سلة الأوراق في الحاوبة..وعاد فورا للصف..!!!
: نعم هذا صحيح..
إلا أن ما حدث أن باب المدرسة كان مفتوحا، ما دفع فضول طفل صغير يسير على الرصيف المحاذي لسور المدرسة، بأن يطل برأسه مستكشفا المكان.
فراس الذي كان متجها إلى غرفة الصف، ملوحا بيده السلة البلاستيكية الفارغة، كل ما فعله أن ضرب بالسلة رأس ولد (من الحارة) تعدى (حسب إفادته) على مدرسته، وأكمل سيره إلى غرفة الصف، دون أن يلتفت إلى ما حدث في رأس الصغير..
.. أتمنى أن يقرأ فراس هذه الحكاية ليعلم أن شقاوته المثيرة للمشاكل ..وشخصيته الفريدة، كانت من الدروس المهمة التي تعلمتها في حياتي المهنية والخاصة..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “شباك.. فراس”

  1. استيقظ فراس مبكراً هذا الصباح، أشعل المذياع لينساب صوت فيروز هادئاً يلملم أشعة الشمس ويرسلها إلى سرير والدته لتستيقظ.

    إرتدى ثيابه على مهل …. وأعد فنجاناً من الشاي له ولوالدته. بدأ يشرع الستائر المسدلة على شبابيك الغرفة الزجاجية حين دخلت والدته

    ببطأ، سند ذراعها لتجلس، وبادرها بالسؤال “أمستعدة لاستكمال العمل على مطرزاتك؟”

    رشفت من فنجانها رشفة وهزت برأسها.

    تعاني أمه من أعراض الشيخوخة، بدأت تتغير منذ لم تعد قادرة على المشي بدون عكازها …. واصبحت في تلك الأيام سريعة الغضب

    وضيقة الصدر.

    تعلم فراس منذ زمن بعيد، كيف باستطاعتنا أن نحول طاقة الإنسان من سلبية لإيجابية … وبادر بدفع أمه لعمل منتج تحبه ….

    والآن، وعلى بعد يومين من افتتاح معرض مطرزاتها البيتي الثاني لاحظ الجميع الحياة التي عادت تدب بنشاط في روح وجسد والدته.

    يدرك فراس أنها تلك الدروس التي تعلمها بعيداً عن مقاعد الدراسة … تلك الدروس التي كان لها الأثر الأكبر في فهمه للآخرين.

    وبحب يدعو أن يتاح لأولئك الأطفال معلمة كمعلمته التي استطاعت تحويل طاقته إلى ايجابية ومفيدة كبديل لعبثه الطفولي الشقي.

  2. صباح الخير…

    اتمنى ان يتاح لفراس قراءة هذه الذكريات الدافئة ، واتساءل ماذا حصل معه الان ! وأتمنى ان اجد احدا يكتب عن طفولتي ويذكرني كما تفعلين انت ، فأنا يا سيدتي احسد من مروا بحياتك اطفالا ، لأنك تخلديهم ويصبحوا كأبطال الرويات ……..

    وأخيرا أقول لفراس أتمنى انه مر بحياتك اشخاصا فهموا طاقتك ووجهوها كربيعة ……..

    أشكرك

  3. رائعة كعادتك دوماً

    أعلم أنني مقصر للغاية، ولكنك دوماً في البال

    لك ألف تحية وسلام

    أتمنى أن تكوني بخير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر